الشيخ عباس القمي
301
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
أنفسكم ثم قال لآذنه : ائذن له ولا ينزل الّا على بساطي ، فأنا كذلك إذ دخل شيخ مسخّد « 1 » قد انهكته العبادة ، كأنّه شنّ بال قد كلم « 2 » السجود وجهه وأنفه ، فلمّا رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه ، فصاح الرشيد : لا واللّه الّا على بساطي ، فمنعه الحجّاب من الترجّل ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام . ( 1 ) فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط والحجّاب والقوّاد محدقون به ، فنزل ، فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط وقبّل وجهه وعينيه وأخذ بيده حتى صيّره في صدر المجلس وأجلسه معه فيه ، وجعل يحدّثه ويقبل بوجهه عليه ويسأله عن أحواله ، ثم قال له : يا أبا الحسن ما عليك من العيال ؟ فقال : يزيدون على الخمسمائة ، قال : أولاد كلّهم ؟ قال : لا أكثرهم موالي وحشم ، فامّا الولد في نيّف وثلاثون ، الذكران منهم كذا والنسوان منهم كذا . ( 2 ) قال : فلم لا تزوّج النسوان من بني عمومتهنّ واكفائهنّ ؟ قال : اليد تقصير عن ذلك ، قال : فما حال الضيعة ؟ قال : تعطي في وقت وتمنع في آخر ، قال : فهل عليك دين ؟ قال : نعم ، قال : كم ؟ قال : نحوا من عشرة آلاف دينار ، فقال الرشيد : يا بن عمّ أنا أعطيك من المال ما تزوّج به الذكران والنسوان وتقضي الدين وتعمّر الضياع ، فقال له : وصلتك رحم يا بن عم « 3 » ، وشكر اللّه لك هذه النّية الجميلة والرحم ماسّة ، والقرابة واشجة « 4 » والنسب واحد ، والعباس عمّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وصنو أبيه وعمّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وصنو أبيه ، وما أبعدك اللّه من أن تفعل ذلك وقد بسط يدك ، وأكرم عنصرك وأعلى محتدك « 5 » . فقال : افعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة ، فقال : يا أمير المؤمنين انّ اللّه عز وجل قد فرض
--> ( 1 ) قال الجوهري : أصبح فلان مسخّدا : إذا أصبح مصفرّا ثقيلا مورّما . ( 2 ) الكلم : الجرح . ( 3 ) وصلتك رحم ، أي صارت الرحم سببا لصلتك لنا ، أو دعاء له بأن تصله الرحم وتعينه وتجزيه بما رعى لها ، والأخير أظهر . ( 4 ) الواشجة : المشتبكة . ( 5 ) المحتدّ : الأصل .